الطريقة التي يعتمد بها فن الترجمة وحبها على الحدس

الطريقة التي يعتمد بها فن الترجمة وحبها على الحدس

الطريقة التي يعتمد بها فن الترجمة وحبها على الحدس

مقال لآن بوستن

نشر على موقع LitHub

ترجمة شروق تركي 

*تترجم آن بوستن، حاملة زمالة فولبرايت، النثر والشعر والدراما عن الألمانية. هذا المقال من ضمن مقالات أخرى مقتبسة من يومياتها التي نُشرت في الأصل بصحيفة توليدو.

الترجمة خاصة بترجمان

تحتفظ المترجمة بحقها في المساءلة الأخلاقية والقانونية إذا تمت الاستعانة بترجمتها دون إذن منها.


يسري الحب عبر الجسد. ما يعنيه الحب، عندما يكون بين الناس، واضح بما فيه الكفاية، لكن ما يعنيه أن يكون الحب بين إنسان ونص (لي على الأقل) أن ترجمة نص عزيز تستند بقوة إلى الحدس والدافع ونوع المعرفة المخزنة في الجسد أكثر منها في العقل. وتُعتبر الموسيقى نقطة مرجعية قوية لفهمي هذه العملية.

كنت مُوسِيقِيّة قبل أن أكون مترجمة، ودائمًا ما كنت أنجذب للنصوص التي يكون للصوت أهمية فيها: إيقاع معين، وشعور معين بقدرة اللغة على الغناء أكثر من الكلام، وفهم اللغة التي يرتكز عليها الشعر. فعند عزف مقطوعة موسيقية مكتوبة تتخذ العازفة قرارات تلقائية بالحركات، فما شعرت به وسمعته وعايشته على مدار حياتها مخزن في ذاكرة جسدها وتستخدمه لاتخاذ قرارات بحركات جسدية تنقل خلالها فهمها للمقطوعة، وكثيرًا ما يُشار إلى هذا بالتأويل. نادرًا ما ينطبق على الأداء الموسيقى المصطلحات التي يغلب انطباقها على الترجمة كالخيانة أو التأويل «الخاطئ»؛ لأنه من المعروف في الموسيقى أن لا شيء هناك لنخونه، ببساطة لأن المقطوعة الموسيقية قبل أن يشرع الموسيقي في عزفها لا تكون قد وُجدت بعد في الشكل الذي يمكن للمستمع الشعور به.

تجاربي لترجمة نصوص أحبها دائمًا متشابهة. تتابع الكاتبة آنيا كامبمان في روايتها «عاليًا كما ترتفع المياه» (Wie hoch die Wasser steigen) شخصية واحدة يطلق عليها بالتناوب «فاسلاف» أو «فينتسل جروشاك»، وهو عجوز ألماني من أصل بولندي يبلغ من العمر 52 عامًا وقد عمل لأكثر من عقد من الزمن على منصات النفط البحرية. في بداية الكتاب يختفي ماتياس، أقرب رفاق فاسلاف وزميل مضجعه، في عاصفة. يُفجر الموت ملحمة من الحزن، والتي سنعرف فيها كيف أذابت سنوات العمل روابط فاسلاف بحياته القديمة تَدْرِيجِيًّا، لتستبدلها بصداقة واحدة عميقة، ودورة ميؤوس منها من الورديات الطويلة على منصات بترولية متناقصة الإنتاج يناوبها الإغراق في الثمالة، والمقامرة، والإنهاك على الشاطئ. يسافر فاسلاف من قرية ماتياس المجرية إلى إيطاليا ليجد صديقًا من أصدقاء والده القدامى، ومنها إلى المدينة التعدينية حوض الرور التي كانت مدينة نشأته، وأخيرًا إلى المدينة البولندية التي اعتاد العيش بها مع شريكته السابقة ميلينا. يرسم الكتاب مسار إدراك الخسارة، خسارة شخص عزيز وموارد طبيعية ونمط حياة يعتمد على كليهما، ورحلة عودة إلى الحياة.

الكتاب شَاعِرِي بشدة في كل فقرة منه، لدرجة أنه مدفوع بإيقاعات وأنغام اللغة، بمعنى أن القصة محسوسة أكثر من كونها مروية، مُستحضَرة من صور ولحظات بلورية تتطلب اهتمامًا دقيقًا، ويقابلها مردود عاطفي، وفي الوقت نفسه مبنية على الخصوصية الصرفة، ومدعومة بالدراية ومعلومات: الميكانيكا والأعراف الاجتماعية لصناعة النفط المعاصرة وصناعة التعدين الأقدم، والمناظر الطبيعية والمدن في جميع أنحاء العالم، واللغات المختلفة، والكثير من المواضيع المتخصصة، من سباقات الحمام لفنون الخياطة.

يمثل مشروع ترجمة عاليًا كما ترتفع المياه العديد من البواكير لي. فهو أول كتاب أطرحه على ناشر، وهو أول كتاب من ترجمتي أحبه قبل أن أشرع في ترجمته، وأول مشاريعي الطويلة حيث كان حب النص سبب ترجمته. وهو أيضًا أول كتاب أترجمه من كتابة صديقة لي، وأول كتاب تحرره وتثني عليه صديقة لي. لِمَزِيد من الحب، لم أقض ولو جزءًا يسيرًا من الوقت الذي قضيته في العمل على هذا الكتاب مع مؤلف آخر أو في عمل الأبحاث (وذلك بسبب الصداقة بالتأكيد). بهذه الطريقة كان مشروعًا متعدد الأصوات أكثر من أي مشروع آخر. لقد كانت أصعب ترجمة عملت عليها يومًا، من ناحية الوقت المبذول. ولكنها كانت كذلك الأسهل لأن من السهل عمل ما تحبه.

ما الذي يعنيه أن تحب نصًا؟ وما الذي يعنيه أن تترجم نَصًّا تحبه؟ هل هو تصرف إيثاري أو خدمة؟ أم أنه في الحقيقة فعل شديد الأنانية والذاتية وحرفة أو حتى حيازة؟

أتذكر على وجه التحديد بداية عملي على عاليًا كما ترتفع المياه، وعملية تهيئة الفصل الأول. أعلم كيف كان يجب أن يبدو، ولكن لا يزال يتعين عليّ تدريب نفسي للوصول لهذا الصوت. تمارين الأصابع ووتجريب بندول الإيقاع وضبط زاوية القوس ثم البدء بالعزف. أذكر شعور الاندماج، كلحظة العثور على نغمة البداية، لدرجة عدم القدرة على تمييز نغمة الفرد من نغمات الآخرين. الانسلال بهذه الطريقة إلى وعي الشخصية، وفهم سبب ظهور صورة ما فجأة عندما يشير إليها تعليق غير مباشر. كان هذا واحد من الجوانب شديدة التحدي والروعة في هذا النص تحديدًا وسبب حب إضافي.

على الرغم من كتابة قصة عاليًا كما ترتفع المياه بصيغة الغائب، إلا أنها كُتبت بِنَاءَ على تصور فاسلاف: يُبنى السرد على ما يراه ويسمعه ويشعر به من حوله، أو على الأرجح ما يتذكره، ويُنقل كذلك ما يشعر به ويفكر فيه بشكلٍ وَاعِ، ولكن ما وصلنا من ذلك مُصفى من خلال معجم مشاعره المحدود بعض الشيء. لم يكن هنالك على الأرجح ذكر صريح للحزن والأسى، في أغلب الأحيان ما يدركه هو شعوره بالإرهاق فقط، لذا يجب على القارئ أن يتقرب من فاسلاف بدرجة كافية ليفهم ما يعنيه له أن تكون صاحب ذاكرة سطحية في وقت ما، وأكثر وأكثر، حتى تستشف من تلميحات دقيقة ما يمكن أن تشير إليه الذاكرة في وقت تكون الصورة هي كل ما هو معطى.

في الغالب يُفلح ذلك، شعورك بالقدرة على متابعة الشخصية عن كثب لتعرفها أفضل من معرفتها لنفسها شعور مُبهج. لكن الأسلوب شيء مُتطلب للغاية، وهنالك بالضرورة لحظات يكون فيها وعي القارئ أبعد ما يكون عن فاسلاف (أو أنيا) ليُفهم تمامًا. كما لاحظت أن التعرض لقراءات مترجمين ومحررين ومدققين لغويين آخرين لا بد من أنها لحظات مختلفة لكل قارئ. على سبيل المثال قد كافحت لأجعل هذه القطعة مفهومة والتي تحدث في لحظة يكون فاسلاف فيها قريبًا من ماضي ماتياس، لكن يشير إلى مشهد لم يكن فاسلاف نفسه يعلم بشأنه:

«كان ماتياس مُبْتَلًّا ويشعر بالبرد عندما وجدته أمه في الفجر. كانت قد وضعت حطبًا في الفرن وكانت يدها تهتز بينما تحاول إشعال أعواد الثقاب، بقدمين حافيتين وشعور بالبرد يتسرب من أسفل فخذيها، وبينما كانت مقرفصة تحدق أمامها، تنقل بصرها بين أول ضوء وشجرة التفاح بتاجها الرفيع المعقود فوجدت ظلًا داخلها، حيث استلقى طفلها برأسه على الأوراق وذراعيه كالبراثن حول الفرع ولم يهبط لأسفل إلا بعد أن ركضت أعلى التلة بهدوء، وأمسكته ولم تتركه إلا وقد وصلت حرارة مياه الحمام إلى رقبته ونام أخيرًا أسفل ثلاثة لحف. ثم نظرت لنفسها، لقد هرمت خفية وفجأة، هذا ما اعتقدته وهي واقفة في الماء الفاتر المتبقي الذي وصل إلى ركبتها، تصبن نفسها حتى استحالت يدها زرقاء. طردت رائحة صابونة اللافندر الزكية من رأسها كل صور الأحذية والزي الموحد في الليل، والبرد المنبعث من الشخص الآخر، من يده المشعرة بعدما كان الباب مغلقًا وحاولت فقط أن تكون هادئة، دائمًا هادئة بسبب الأطفال، وعندما استيقظت كان نور بارد شاحب بالغضب فوق البيوت والسقائف. فقط عندما وجدت طفلها على الشجرة فهمت أن الضوء لم يكن غاضبًا بل واهنًا، وشعرها معلق في جدائل طويلة في الماء الفاتر، ولم يساعد الصابون في شيء».

الآن أصبح بإمكاني أن أتخيل قارئًا حساسًا بدرجة كافية للإشارات السابقة عن حياة عائلة ماتياس في المنفى الريفي بعد اغتيال والده لفهم أن القطعة تتناول اغتصاب الأم على يد جندي، لكن الصور لم تقدني إلى هذه الفكرة حتى تحدثت إلى آنيا.

بدت اللحظات الأخرى واضحة تمامًا، مثلًا «المروحة» المشار إليها هي في الواقع مروحة سقف منخفضة. كيف يمكن لأي شخص أن يفهم «الظلال» على خارطة للبحر كدلالة على الأرواح الضائعة، بدلًا من الأعماق التي لا يُسبر غورها؟ في الواقع فإن احتمالات أخطاء القراءة الخيالية هذه هي جزء من جمال نص كامبمان. الانتباه الشديد والسماع للتعاطف أو حب اللغة سيقودان القارئ لفهم واضح للقصة، ولكن هذا يتطلب تورطًا شخصيًا، يقود أحيانًا إلى قراءة مختلفة عن القراءة التي تخيلها الكاتب. سيتحرر فاسلاف وقصته في بعض الأحيان.

بالصدفة البحتة تزامن اليوم الذي أرسلت فيه عاليًا كما ترتفع المياه إلى المحرر مع اليوم الذي قبلت فيه أنيا كامبمان جائزة أدبية كبرى. جلست في «خيمة بيرة» استثنائية وصاخبة خارج فرانكفورت، حيث حُجز لي مقعد غير مستحق على الطاولة الأمامية، لأسمعها تتحدث عن الشعر والسرد وكتابها. لا يمكنني تلخيص ما قالته لأني كنت على وشك البكاء بمجرد أن فتحت فمها لتتحدث، وبمجرد أن كان من المناسب إلي حَدّ ما القيام بذلك، هربت وبكيت. كنت مُتَأَثِّرة دون شك بالفخر والصداقة، وكذلك بإحساس معين بالفقد: معرفة أن الوقت الذي قضيته مع النص كرفيقي اليومي انتهى. فاسلاف لن يقول أو يشعر بأي شيء جديد على الإطلاق مجددًا، واشتقت إليه بشدة بالفعل.

لكني أعتقد عند العودة إلى الوراء أن دموعي كان لها مصدر آخر أيضًا. مشاهدة أنيا تتحدث، المؤلف، الوعي الذي أبدع الكتاب الذي ترجمته للتو، كان كرؤية النص متجسدًا، والكتابة مستمرة ومبهرة ومنفصلة تمامًا عني. جاء الألم من إنتاج نص شعرت برضا عميق عنه، وبأنه صحيح وحقيقي للغاية، كما لو أن كل كلمة وكل إيقاع كانا هما الوحيدان الممكنان لفاسلاف وأنيا أن يتحدثاهما بالإنجليزية، ولكن شعرت في نفس الوقت فجأة أنه بِطَرِيقَة ما لم أستطع تحقيق العدالة لهم.

إننا نتحدث في مجال الفن (الرسم والتصوير والكتابة) عن الإمساك بشيء ما، أو الإحاطة بشعور أو بجزء صغير من الواقع في الوسط المحدد بحيث يمكن للآخرين رؤيته، كما في حديقة الحيوان، حيث لا يمكنها الهرب، هذا بالتأكيد شعور مُرضيٍ للغاية لكل من المبدع والمدرك. أعلم ذلك لأنه يشبه ما شعرت به عند كتابتي لهذه الترجمة. كنت أجعل شيئًا ما يحدث في اللغة، وأجعل شيئًا من اللغة يكون له صدى ويمكن لأي شخص أن يقرأه ليشعر بشيء أو يختبر أو يفهم شيئًا ما، ونجاح هذا التأثير وقع على عاتق براعتي، أو على عاتق أدائي في التصور الموسيقي. المشكلة تكمن في أن تجسيد كتاب لا يشبه تجسيد الواقع. العدالة التي تتمنى تحقيقها لنص في ترجمته يمكن أن تؤخذ بسهولة كنوع من أنواع الفعل الختامي، بديل تحولي: الآن بما أني قد حققت عدالتي لهذا النص فالقضية قد أُغلقت، والمشكلة الأصلية حُلَّت (وهي مشكلة لأنها غير متاحة لأغلب الناس). لكن في النهاية ترجمتي لنص «Wie hoch die Wasser steigen» لا يمكن أن تستبدل الأصل، يمكن فقط أن تحيد عنه.

للأدب والعالم هذا شيء رائع، لكن معرفتك أن الحبيب ليس أنت، ولا يمكنك أبدًا امتلاكه بالكامل ليس بالأمر السهل. أثناء مشاهدتي لأنيا وهي تتحدث رأيت أن مكنسة الساحر قد قطعت إلى نصفين، والنصف الأول، النصف الأصلي ظل يكتسح بابتهاج، يرقص ويعيش ويفعل ما يشعر به أيًا ما كان، مع أني تمنيت تقطيعه للاستيلاء على قوته. كيف يمكن التوفيق بين فرحة امتلاك مكنسة جديدة مع حزن أن أي عدد من المكانس الآخرى قد يظهر للوجود، وينجرف خارج سيطرتنا، بل وقد تعمل حتى ضدنا؟ الارتياح لأن العمل قد انتهى مع اليأس من أن العمل لن ينتهي أبدًا؟ الحقيقة هي أنني أردت، على مستوى ما، أن أترجم عاليًا كما ترتفع المياه في المقام الأول لأنني أردتها أن تكون لي. ليس دافعًا لطيفًا.

هل الحب الذي يدفع المرء للترجمة هو نوع خاطئ من الحب؟ هل هو حب طفل يريد أن يحل محل أمه، شريك غيور، وطني يتحول إلى ديكتاتور؟ هل سأكتب هذا لو كان الأمر كذلك؟

غالبًا ما يُنظر إلى المترجمين على أنهم أشخاص كرماء جدًا: يهربون من دائرة الضوء، ويكرسون أنفسهم لخدمة مؤلف أو نص، ويتبنون بقاء الأدب وتوزيعه دون انتظار عرفان أو مكسب شخصي، يُدفع لهم الحد الأدنى من المال حتى يمكن اعتبار العمل مجديًا وفي بعض الأحيان لا يكون كذلك. هنالك نفحة من العنوسة حول هذا النشاط، لطالما أدهشني هذا باعتباره غريبًا، ليس فقط بسبب المشاعر والدوافع المؤججة التي وصفتها، لكن لأن الترجمة بغض النظر عن المترجم هي الشيء الذي يعطي. الترجمة تصنع مكانس أكثر بغض النظر عما يريده المترجم، وهي تعطي كذلك، تعطي المترجم، تعطي مرارًا وتكرارًا الدرس الذي يحتاج المرء أن يتعلمه مدى الحياة: كيف يحب.

اترك تعليقاً